ابن كثير
231
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
إليه وأتعجب من طوله وتمامه وجماله ، فقال : ما لك تنظر إلي ؟ فقلت : أعجب من جمالك وكمالك . فقال : إن اللّه ليعجب مني ، قال فما زال ينقص وينقص حتى صار بطول الشبر ، فأخذه بعض قرابته في كمه وذهب به . وقد ذكر أن هلاك قارون كان من دعوة موسى نبي اللّه عليه السلام ، واختلف في سببه فعن ابن عباس والسدي أن قارون أعطى امرأة بغيا مالا على أن تبهت موسى بحضرة الملأ من بني إسرائيل وهو قائم فيهم يتلو عليهم كتاب اللّه تعالى ، فتقول يا موسى إنك فعلت بي كذا وكذا ، فلما قالت ذلك في الملأ لموسى عليه السلام أرعد من الفرق ، وأقبل عليها بعد ما صلى ركعتين ثم قال : أنشدك باللّه الذي فرق البحر وأنجاكم من فرعون ، وفعل كذا وكذا لما أخبرتني بالذي حملك على ما قلت ؟ فقالت : أما إذ نشدتني فإن قارون أعطاني كذا وكذا على أن أقول ذلك لك ، وأنا أستغفر اللّه وأتوب إليه ، فعند ذلك خر موسى للّه عز وجل ساجدا ، وسأل اللّه في قارون ، فأوحى اللّه إليه أن قد أمرت الأرض أن تطيعك فيه ، فأمر موسى الأرض أن تبتلعه وداره ، فكان ذلك . وقيل إن قارون لما خرج على قومه في زينته تلك وهو راكب على البغال الشهب ، وعليه وعلى خدمه ثياب الأرجوان المصبغة ، فمر في محفله ذلك على مجلس نبي اللّه موسى عليه السلام وهو يذكرهم بأيام اللّه ، فلما رأى الناس قارون انصرفت وجوههم نحوه ينظرون إلى ما هو فيه ، فدعاه موسى عليه السلام وقال : ما حملك على ما صنعت ؟ فقال : يا موسى أما لئن كنت فضلت علي بالنبوة فلقد فضلت عليك بالدنيا ، ولئن شئت لنخرجن فلتدعون علي وأدعو عليك ، فخرج موسى وخرج قارون في قومه ، فقال موسى عليه السلام : تدعو أو أدعو أنا ، فقال : بل أدعو أنا ، فدعا قارون فلم يجب له ، ثم قال موسى : أدعو ؟ قال : نعم ، فقال موسى : اللهم مر الأرض أن تطيعني اليوم ، فأوحى اللّه إليه أني قد فعلت ، فقال موسى : يا أرض خذيهم ، فأخذتهم إلى أقدامهم ثم قال : خذيهم ، فأخذتهم إلى ركبهم ، ثم إلى مناكبهم ، ثم قال : أقبلي بكنوزهم وأموالهم . قال : فأقبلت بها حتى نظروا إليها ، ثم أشار موسى بيده ، ثم قال : اذهبوا بني لاوي فاستوت بهم الأرض . وعن ابن عباس قال : خسف بهم إلى الأرض السابعة . وقال قتادة : ذكر لنا أنه يخسف بهم كل يوم قامة ، فهم يتجلجلون فيها إلى يوم القيامة ، وقد ذكر هاهنا إسرائيليات غريبة أضربنا عنها صفحا . وقوله تعالى : فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ أي ما أغنى عنه ماله ولا جمعه ولا خدمه وحشمه ، ولا دفعوا عنه نقمة اللّه وعذابه ونكاله ، ولا كان هو في نفسه منتصرا لنفسه ، فلا ناصر له من نفسه ولا من غيره . وقوله تعالى : وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالْأَمْسِ أي الذين لما رأوه في زينته قالوا يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ فلما خسف به أصبحو يقولون وَيْكَأَنَّ اللَّهَ